الجمعة، 21 سبتمبر 2012

جواب اشرح لنا الحج سهلا للشيخ حامد العلى


اشرح لنا الحج سهلا؟ الشيخ حامد العلي


جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد :

*** ابدأ بالإخلاص… وإنما الأعمال بالنيات :

يبدأ الحاج أولا بإخلاص النية لله تعالى ، امتثالا لأمره سبحانه بأداء الحج ، قال تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) ، إذ هو من أركان الإسلام ، وطمعا في ثوابه العظيم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال  ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) متفق عليه

وعنه أن رسول الله  قال ( العمرة إلى العمرة ، كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) . متفق عليه .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد ، فقال : لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) رواه البخاري .

وعنها رضي الله عنها قال رسول الله  ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة ) رواه مسلم .

فتوجه إلى بيت الله الحرام ، تعظيما لشعائر الله تعالى ، امتثالا لطاعة الله تعالى ، رغبة في ثوابه ، خوفا من عقابه ، واجتنب الرياء والسمعة ، واحذر من طلب المكانة والمنزلة في قلوب المخلوقين ، قال تعالى ( وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى ) وقال ( إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) .

***النفقــــــــــة الحلال :

ثم أنفق على رحلة الحج من طيب المال، والكسب الحلال ، ذلك أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، ومن حج من مال حرام لم يقبل الله تعالى حجه .

***اشتراط المحرم للمرأة :

وعلى المرأة أن تجد لها محرما يرافقها ، لقوله  ( لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ) متفق عليه ، ويجب أن يكون بالغا عاقلا ، والمحرم الزوج أو من يحرم على المرأة على التأبيد ، بنسب أو رضاع أو مصاهرة وهم أربعة بالمصاهرة : أبو زوجها ، وابنه ، وزوج أمها ، وزوج ابنتها .

***في الميقــــــات :

عند الوصول إلى الميقات ، تغتسل و تتطيب في جسدك دون ثياب الإحرام ، وتزيل عنك الأظفار والشعر الذي ترغب بإزالته وكل ذلك مستحب غير واجب ، ثم تحرم قبل تجاوز تجاوز الميقات ، ومعنى الإحرام هو نية الدخول في النسك ، وليس المقصود به هو التجرد من المخيط ( والمخيط كل ثوب مفصل على قدر أعضاء الجسد مثل القميص والفانيلة والبنطلون ونحو ذلك مما فصل على قدر الأعضاء ، وليس المقصود بالمخيط ما فيه خيط ) ، بل لبس المخيط من محظورات الإحرام ، ولهذا يجب على الحاج أن لاينوي الإحرام ـ الدخول في النسك ـ إلا بعد أن يتجرد من الثياب ، ولو نوى الحاج الدخول في النسك ناسيا أن يتجرد من كــــــل الثياب ، ( مثلا نسي سروايله ولم ينزعها ) ولبس الازاء والرداء ، ثم نوى الدخول في النسك ، فإنه يصح دخوله في النسك ، ثم عليه أن ينزع عنه ما نسي أن يزيله ، ولاشيء عليه إن كان ناسيا ، والمقصود أنه يجب التفريق بين الإحرام وهو نية الدخول في النسك ، والتجرد من المخيط .

***أنواع الانساك :

ثم تقول عند نية النسك ، لبيك اللهم بعمرة ، أو بحج ، أو بعمرة وحج ، وفق النسك الذي تختاره ،

وهي ثلاثــــة أنواع :

أحدها : التمتع وهو أفضلها ، وهو الذي تقول فيه لبيك اللهم بعمرة ، وصفته أنك تأتي بعمرة كاملة وتتحلل منها ، تماما كما لو ذهبت إلى عمرة في غير أشهر الحج ، ثم تبقى غير محرم ، حتى إذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة ، تحرم بالحج وتذهب إلى منى ، وعلى المتمتع ـ إن كان من غير حاضري المسجد الحرام أي من غير ساكني مكة أو حدود الحرم ـ أن يذبح هديا كم سيأتي بيانه .

والثاني : الإفراد ، وهو الذي تقول فيه لبيك اللهم بحج ، وهو أن تنوي الحج مفردا ليس معه عمرة ، وفي هذه الحالة تبقى على إحرامك حتى تتحلل يوم النحر كما سيأتي بيانه .

والثالث القران : وهو الذي تقول فيه لبيك اللهم بعمرة وحج، ولافرق بين الإفراد والقران في أعمال الحج ، وإنما يفترقان في أمرين :

أحدهما: النية ، فالقارن ينوى الحج مع العمرة ، إن طاف نوى أن يكون طوافه طواف حج وفي نفس الوقت هو طواف عمرة ، وإن سعى نوى بسعيه سعي حج وهو في نفس الوقت سعي عمرة ، كما ينوي داخل المسجد تحيته وركعتي الفجر في نفس الوقت على سبيل المثال .

الثاني : أن القارن عليه هدي ، والمفرد لاهدي عليه .

فإن اخترت أحد هذه الانساك ، ولبيت به ، فإن كنت مريضا أو تخشى من حدوث طارئ يمنعك من إتمام الحج ، فاشترط قائلا ( لبيك اللهم بعمرة ــ أو حج أو عمرة وحج ــ ومحلي حيث حبستني ) لقوله  لضباعـة بنت الزبير( حجي واشترطي وقولي : اللهم إن محلي حيث حبستني ) متفق عليه .

وفائدة هذا الشرط أنك إذا حال بينك وبين إتمام الحج عذر شرعي ، خارج عن إرادتك ، مثل مرض أقعدك عن إتمام العج ، أو حادث سيارة على سبيل المثال ، أو منعك مانع من إتمامه بعدما دخلت في الإحرام ، فإنك تتحلل من إحرامك وتلبس ثيابك ولاشيء عليك ، وترجع إلى بلدك ، حتى يتيسر لك الحج مرة أخرى .

والدليل على أن الحاج مخير بين الانساك الثلاثة قول عائشة رضي الله عنها ( فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ومنا من أهل بهما ) متفق عليه .

والدليل على أفضلية التمتع أمر النبي  لاصحابه بذلك ، وقوله (لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل ما آمركم به ) متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنهما .

وكان  قارنا ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله  يقول أتاني آت من ربي ، فقال صل في هذا الوادي المبارك ، وقل عمرة في حجة ) رواه احمد والبخاري وغيرهما .

وذلك أنه كان قد ساق الهدي معه ــ أي جاء به معه من خارج الحرم والهدي هي الأنعام التي تجلب للحرم ، سميت بذلك لأنها تهدى إلى الحرم لفقرائه ــ فمنعه ذلك من أن يكون متمتعا ، وكذلك يستحب لمن جاء بهديه من خارج الحرم أن يكون قارنا .

والأفضل لمن حج مفردا أو قارنا أن يتحلل بعد طواف القدوم والسعي وينوي أن ما فعله عمرة ، ويتحول إلى التمتع لان النبي  أمر أصحابه بذلك متفق عليه .

***هل للإحرام صلاة مخصوصة :

ولم يرد دليل على استحباب ركعتين للإحرام بخصوصه ، إلا أن يصلى المحرم نافلة أخرى وافقته بعد إحرامه أو قبله ، أو يحرم بعد صلاة الفريضة إن أدركته كما فعل النبي  فذلك حسن .

*** محظورات الإحرام :

وعليك أن تتجنب محظورات الإحرام ، حتى تتحلل من إحرامك .

وهي تسعة محظورات يجب على المحرم بحج أو عمرة أن يتجنبها :

*أولا : تعمد لبس المخيط بالنسبة للرجل ــ وقلنا إن المخيط هو كل ما فصل على قدر أعضاء الجسد من الثياب ، وليس هو ما فيه خيط ــ لقوله صلى الله عليه وسلـــــم ( لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ، ولا البرنس ولا السروايل ولاثوبا مسه ورس ولازعفران ) متفق عليه , ويدخل في المخيط ، لبس الخفين أو الجوربين فلا يجوز ذلك للمحرم ، إلا إن لايجد نعلين ، فيجوز له أن يلبس الخفين ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما سمعت رسول الله  يخطب بعرفات : (من لم يجد إزارا فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين ) متفق عليه .

ولابأس أن يلبس المحرم النظارة والساعة والحزام الذي يشد به إزاره ويحفظ فيه نفقته ولو كان فيه خيوط ، ولابأس أن يلبس نعلين فيهما خيوط ، أو يكون طرف ردائه أو إزاره مخيط ، كل ذلك جائز .

*ثانيا : تغطية الرأس من الرجل ، ولاباس أن يستظل بخيمة أو مظلة ( شمسية ) أو سقف السيارة ونحو ذلك ، لحديث أم الحصين قالت حججنا مع رسول الله  حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي  والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة ) رواه أحمد ومسلم .

و تغطية الوجه للأنثى ، ولكن تسدل على وجهها لحاجة لقوله  ( لاتنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين ) متفق عليه ، وعن عائشة رضي الله عنها ( كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله  محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزنا كشفناه ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة .

*ثالثا : قصد شم الطيب ومسه واستعماله في أكل وشرب بحيث يظهر ريحه ، ولابأس أن يتطيب قبل الإحرام في بدنه دون ثيابه ، حتى لو استمر هذا الطيب إلى بعد الإحرام ، فذلك جائز ، لانه وضع الطيب قبل الإحرام لا بعده ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله  بعد أيام وهو محرم ) متفق عليه .

*رابعا : إزالة الشعر من البدن عمدا ، ولابأس إن سقط شيء من الشعر بغير قصد بسبب الامتشاط أو الاستحمام ونحو ذلك ، ويجوز للمحرم أن يستحم بالماء والصابون الذي لا يكون فيه عطر ، فقد روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي  غسل رأسه وهو محرم وحرك رأسه بيديه فاقبل بهما وأدبر متفق عليه ، ويجوز له أن يبدل ثياب الإحرام التي احرم فيها أولا ، بأخرى نظيفة ليس فيها طيب ، كل ذلك جائز .
ويجوز للمحرم أن يحلق رأسه لعذر ، أو يلبس ثوبا لعذر ، مرض أو نحوه ، وعليه أن يفدي في هذه الحالة ، وذلك بأن يذبح شاة لفقراء الحرم ، أو يطعم ستة مساكين من مساكين الحرم لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره ، أو يصوم ثلاثة أيام ولا يشترط أن يكون الصيام في الحرم .

*خامسا : تقليم الأظافر ، فإن انكسر الظفر فلابأس بإزالته .

سادسا : صيد البر الوحشي المأكول ، ومعنى الوحشي أي غير الأليف ، والأليف مثل الدجاج والمعز والضان والبقر والإبل ، والوحشي مثل الغزال وحمار الوحش والأرنب ، ويجوز صيد البحر .

*سابعا : عقد النكاح ولا يصح ، وكذلك الخطبة فلاتجوز في أثناء الإحرام .

*ثامنا :الوط ء في الفرج .

تاسعا : دواعي الجماع ، والمباشرة دون الفرج والاستمناء .

فإن وقع المحرم بشيء من محظورات الإحرام ناسيا أو جاهلا فلاشيء عليه ، وإن فعل شيئا من ذلك عامدا ، ففيه الفدية وهي التخيير بين إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم ، لكل مسكين مد من البر ( القمح ) أو نصف صاع من غير البر ، أو ذبح شاة لمساكين الحرم ، أو صيام ثلاثة أيام في أي مكان .

ويستنثى من ذلك ثلاثة أشياء :

أحدها : الصيد ففيه جزاء الصيد ، سواء تعمد صيده أم لا .

والثاني : الجماع في الفرج ففيه تفصيل سيأتي لاحقا إن شاء الله تعالى .

والثالث : عقد النكاح أو الخطبة فليس فيهــا فدية مع أنهما من محظورات الإحرام.

***التلبيـــة :

ثم تنطلق إلى المسجد الحرام ، ملبيا من أول دخولك الإحرام و أثناء الطريق قائلا ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لاشريك لك ، لبيك إن الحمد والنعمـــة لك والملك لاشريك لك ) كذا روى التلبية عبد الله بن عمر رضي الله عنه في الصحيحين .

يرفع الرجل صوته ، لحديث السائب بن خلاد قال  : ( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ) رواه الخمسة .

وتخفض المرأة صوتها ، واحرص أن تردد هذه التلبية على قدر استطاعتك وجهدك ، فذلك من أفضل أعمال الحج ، قال  ( أفضل الحج العج والثج ) رواه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، والعج أي رفع الصوت بالتلبية .

***دخول المسجد الحرام :

فإذا وصلت البيت أي الكعبة ، فيستحب لك أن يكون أول شيء تفعله عند دخول المسجد الحرام ، أن تقول دعاء دخول المسجد ( اللهم صل على محمد ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك ) ، ثم تتجه إلى الحجر الأسود للطواف .

ولم تصح الأحاديث التي فيها رفع اليدين عند رؤية البيت ، وكذا لم يصح في ذلك دعاء مخصوص ، غير دعاء دخول المسجد .

***الطـــواف :

*أولا : ويشترط أن تكون حال الطواف ساترا للعورة ، طاهر الثياب والبدن ، ويشترط له الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ، وذلك كله عند جمهور العلماء .

واحتجوا بحديث ( إن الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه ) رواه الترمذي وغيره ، وبحديث عائشة رضي الله عنها ( افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) متفق عليه .

*ثانيا : وإن كنت متمتعا ، فإنك تنوي بطوافك أنه طواف عمرة .

وإن كنت قارنا نويت أنه طواف القدوم ، على أن تطوف طواف العمرة والحج ، بعدما تأتي من مزدلفة يوم النحر , ويجوز لك أن تسعى بعد طواف القدوم هذا ، وتنوي به أنه سعي عمرتك وسعي حجك في نفس الوقت ، وتكون في هذه الحالة قد قدمت سعي العمرة والحج على طوافهما الذي ستفعله يوم النحر ، ويجوز لك أن تؤجل السعي إلى يوم النحر عندما تطوف طواف عمرتك الذي تنوي به أيضا أنه طواف حجك ، فتسعى بعد ذلك سعي عمرتك الذي هو سعي حج ، وبذلك تقرن أفعال العمرة بالحج .

وأما إن كنت مفردا فإنك تنوي أنه طواف القدوم فقط ، ويجوز لك أيضا أن تقدم سعي الحج فتسعى بعد طواف القدوم ، ولا يكون عليك سعي أخر إذا طفت طواف الحج يوم النحر ، كما سيأتي بيان ذلك .

فإن طفت و لم تنو شيئا نسيانا أو جهلا ، فلاشيء عليك وطوافك صحيح .

*ثالثا : و معنى الطواف ببيت الله تعالى ، إظهار عظيم حبك له إذ تعلق قلبك بمحبته حتى قادتك تلك المحبة العظيمة إلى التطواف حول بيته مرارا في صورة الإلحاح عليه ، من أجل أن يقبلك في حضرته ، ويقربك من محبته ، ويتجاوز عن تقصيرك في حقه ، وكلما استحضرت هذا المعنى الجليل ، كان ثوابك أعظم عند الله تعالى

*رابعا : وتكون مضطبعا في هذا الطواف استحبابا ، ومعنى الاضطباع أي تجعل وسط ردائك تحت عاتقك الأيمن ، وطرفيه على عاتقك الأيسر، كما فعل النبي  ، وليس كل طواف فيه اضطباع ، وإنما طواف العمرة وطواف القدوم للحج ، وأما طواف الإفاضة فحتى لو طافه الحاج وهو محرم ، لا يكون فيه اضطباع ، ويستمر الاضطباع إلى آخر الطواف .

عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن النبي  وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى ) رواه أبو داود وغيره.

*خامسا : ويستحب هنا أن يرمل الطائف أول ثلاثة أشواط ، والرمل هو الإسراع مع مقاربة الخطى ، ويكون الرمل في كل طواف فيه اضطباع ، ولا يكون في طواف ليس فيه اضطباع ، وقد قال جابر رضي الله عنها في وصف حجة النبي  ( حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ) رواه مسلم .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي  كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا ) متفق عليه ، والطواف الأول هو القدوم ، وخب أي رمل .

*سادسا : ويجب أن تطوف سبعة أشواط كاملة لاتسقط منها خطوة ، تبدأ من الحجر الأسود وتنتهي بالحجر الأسود .

وتجعل البيت على يسارك ، واحذر أن تطوف وأنت مستقبل البيت أو جاعله عن يمينك ترجع القهقرى ، وحتى لو كنت محمولا يجب أن تجعل البيت عن يسارك .

*سابعا : فإن شككت في عدد الأشواط ، تعمل بغالب الظن ولاشيء عليك ، فإن لم يكن لديك ظن غالب ، واستوى الطرفان ، فاجعل العدد هو الأقل ، لانه المتيقن ، مثلا شككت هل طفت ثلاثة أشواط أو أربعة ، فاجعلها ثلاثة ، فإن جاءك الشك بعد انتهاء الطواف ، فلا تلتفت إليه لان الشك بعد العبادة لا يلتفت إليه مادام مجرد شك

*ثامنا : وعندما تبدأ من الحجر الأسود تحاذيه ببدنك ، ثم تستلمه و تقبله إن استطعت ، أو تستلمه و تقبل يدك ، فإن لم تستطع لشدة الزحام ، تشير إليه بيدك ولاتقبل يدك في حالة الإشارة ، وتكون الإشارة باليد اليمنى ، تستقبل الحجر وتشير بيدك اليمنى قائلا الله أكبر ، وتفعل ذلك كله وفق هذا الترتيب كلما حاذيت الحجر الأسود في أثناء طوافك ، وذلك إن تيسر لك ، ولاتزاحم الناس فتؤذيهم .

*تاسعا : ويستحب استلام الركن اليماني باليد ، فإن لم تستطع فلا تشير إليه من بعيد ، ولم يرد أن النبي  قال شيئا عند استلامه ، ويستحب أن تقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ( ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) وأن تكثر من ذكر الله تعالى والاستغفار والدعاء في أثناء الطواف .

*عاشرا : واحذر أن تطوف من داخل الحجر ، وهو الجزء الذي حوله حاجز رخامي يشبه شكل الهلال خلف أحد جدران الكعبة ، بل يجب أن تكمل طوافك من وراءه ، لانك لو أكملت الطواف من داخله ، فكأنك دخلت الكعبة في جزء من طوافك ، ولم تطف حولها ، ويجب على من فعل ذلك إعادة الطواف .

*حادي عشر : وإذا أقيمت الصلاة وأنت تطوف ، أو حضرت جنازة ، أو أردت شرب الماء ، ونحو ذلك فإنك تتم الطواف بعد ذلك من حيث وقفت ، إلا إذا أطلت الفصل بين الأشواط ، فإن فعلت فابدأ من جديد ، لان الموالاة بين أشواط الطواف شرط في صحته ، وكذا إذا انتقض وضوءك في أثناء الطواف فيجب عليك أن تعيده من جديد ، إذا قلنا بأن الوضوء شرط لصحة الطواف ، وهو الاحوط .

*ثاني عشر : وبعد انتهاء الطواف ، ينتهي الاضطباع ، كما ينتهي الرمل بنهاية الشوط الثالث من الطواف ، و يستحب للطائف بعد نهاية الشوط السابع ، أن يتوجه إلى مقام إبراهيــم عليه السلام ويقول ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) ثم يصلي ركعتين ، ويستحب أن يقرأ فيهما سورة الكافرون ( قل يا أيها الكافرون ) في الركعة الأولى ، وسورة الإخلاص ( قل هو الله أحد ) في الركعة الثانية ، والأفضل أن يصليهما خلف مقام إبراهيم عليه السلام ، فإن لم يتيسر ذلك لشدة الزحام ، ففي أي موضع من المسجد الحرام .

*ثالث عشر : ويستحب للطائف الوقوف بالملتزم وهو ما بين الحجر والباب ، فيجعل خده وصدره على حائط الكعبة في ذلك الموضع الشريف ، ويدعو الله تعالى.

*رابع عشر : ويستحب إذا أردت أن تسعى بعد ذلك أن تعود إلى الحجر فتستلمه إن استطعت قبل أن تنطلق إلى المسعى .

*خامس عشر : وصح عن النبي  أنه بعدما أنهى طوافه في حجته ذهب إلى زمزم فشرب منها وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن فاستلمه رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .

*شرب ماء زمزم :

والدعاء عند شرب زمزم مستحب ومستجاب قال  ( ماء زمزم لما شرب له ) رواه أحمد وابن ماجة من حديث جابر رضي الله عنه .

***السعي بين الصفا و المروة :

تتوجه بعد ذلك إلى الصفا ، لتسعي بين الصفا والمروة .

ويجوز لك إن كنت قارنا أو مفردا أن تعجل السعي بعد طوافك طواف القدوم ، فإذا كنت قارنا سيكون هذا السعي المعجل هو سعي حجك وعمرتك اللتين ستطوف طوافهما يوم النحر ، وإن كنت مفردا يكون سعي حجك الذي ستطوف طوافه يوم النحر أيضا ، وهذا أيسر عليك لانك ربما تكون مرهقا يوم النحر بعد وقوفك بعرفة وبياتك بمزدلفة ، فتكتفي بالطواف في هذه الحالة لانك قدمت السعي عند قدومك ، ويجوز لك أيضا أن تؤجل السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة يوم النحر ، فتسعى بعده سعي حجك وعمرتك إن كنت قارنا ، وسعي حجك إن كنت مفردا

مسائل السعــــــــي :

*أولا : إن كنت متمتعا ، أي تريد أن تعتمر ثم تحج بعد التحلل من عمرتك ، فهذا السعي هو سعي عمرتك ، وإن كنت قارنا أو مفردا ، فهذا السعي تنوي به أنه سعي حجك وعمرتك إن كنت قارنا ، وسعي حجك إن كنت مفردا ، هذا إذا أردت أن تقدم السعي ، ويجوز لك تأخيره كما أسلفنا .

*ثانيا : تبدأ من الصفا ، فإذا دنوت من الصفا يستحب لك أن تتلو قوله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلاجناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) وتقول أبدأ بما بدأ الله به ، وترقى الصفا حتى ترى الكعبة إن استطعت ، فإن لم تستطع ذلك ، فالواجب أن تضع قدمك عند أول الارتفاع إلى الصفا ، لتكون بدايتك من أول الصفا ، لان قطع كل المسافة بين الصفا والمروة واجب لا يصح السعي إلا به .

*ثالثا : فإذا رقيت على الصفا فاستقبل الكعبة ، وارفع يديك للدعاء ، وابدأ قائلا الله أكبر ثلاث مرات ، ثم تقول لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم ادع الله بما شئت من خير الدنيا والآخرة ، ثم أعد هذا كله ثلاث مرات ، ويستحب أن تطيل في الدعاء ، فإنه موضع أطال فيه النبي  الدعاء .

*رابعا : فإذا فرغت من الدعاء ، انزل ماشيا ، إلى أن تصل إلى العلم الأول ، وقد وضع لذلك إشارة خضراء ، فإن بلغته ، فيستحب لك أن تسعى سعيا شديدا ، حتى تصل إلى العلم الثاني ، وقد وضع لذلك أيضا إشارة خضراء ، ثم تمشي بعد ذلك ، حتى ترقى على المروة ، فتفعل على المروة مثل ما فعلت على الصفا ، فإن لم تستطع ذلك ، فالواجب أن تنتهي عند أول ارتفاع من الأرض على المروة ، من أجل أن تكون قد قطعت كل المسافة بين الصفا والمروة .

وتستطيع أن تستدل على مقدار المسافة التي يجب قطعها بين الصفا والمروة ، بممر العربات ، فعند انتهاءه تنتهي المسافة الواجب قطعها ، ولكن يستحب أن ترقى على الصفا والمروة كما فعل النبي  .

*خامسا : ويجب أن تسعى سبعة أشواط ، و تكون البداية من الصفا والنهاية عند المروة ، فالمسافة بينهما شوط واحد ، حتى إذا انتهيت من آخر شوط على المروة ، فقد أتممت السعي .

*سادسا : ويستحب لك أن تكون في أثناء السعي ، ذاكرا لله تعالى بأنواع الذكر من قراءة القرآن والاستغفار والتسبيح والتهليل ، كما يستحب الوضوء ولا يجب ، فإن كنت غير متوضأ جاز لك أن تسعى من غير وضوء.

*سابعا : ولا تجب الموالاة بين أشواط السعي ، فيجوز لك أن شعرت بتعب ، أن تستريح ثم تعود فتكمل على ما سبق ، حتى لو طال الفصل ، فلا بأس بذلك .

*ثامنا : كما لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي ، فيجوز لك بعد الطواف أن تستريح إن احتجت إلى ذلك ، ثم تعود إلى السعي بعد ذلك .

***الحلق والتقصير :

بعد ذلك يجب عليك إن كان حجك ، حج تمتع ، أن تقصر من شعرك ، وذلك بأن تقص من جميع الشعر ، لا من أطرافه كما يفعل الجهال ، والحلق أفضل ، ولكن لانك سوف تحلق رأسك عند التحلل من حجك ، فالأفضل هنا أن تقصر فقط إلا إن كنت قدمت مبكرا في شهر شوال مثلا فالحلق أفضل ، لان شعر رأسك ، سيتوفر إلى العاشر من ذي الحجة .

أما إن كنت قارنا أو مفردا للحج ، فلا تقصر ولا تحلق ، لانه يجب عليك أن تبقى على إحرامك حتى تتحلل من الحج في يوم النحر .

والمرأة تقص من طرف شعرها قدر أنملة .

***قطع التلبية للمعتمـــر والحــاج :

وإن كنت متمتعا فإنك تقطع التلبية إذا شرعت في الطواف ، وأما إن كنت قارنا أو مفردا فإنك التلبية لا تنقطع إلا برمي جمرة العقبة يوم النحر .

***التوجه إلى منى يوم الترويـــة:

إذا جاء يوم الثامن من ذي الحج ، وهو يوم التروية ، سمى بذلك لان الناس كانوا يتروون الماء في ذلك اليوم ، لحاجتهم إلى الماء في منى والمشاعر ، إذا جاء هذا اليوم ، تحرم قبل الزوال بالحج من أي مكان من الحرم أنت نازل فيه .

وأما إن كنت قارنا أو مفردا ، فإنك لم تزل على إحرامك ، ثم تتوجه إلى منى فتصلي فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، تقصر الصلاة الرباعيـــــة ــ إن كنت ممن يقصر الصلاة ــ والأفضل أن تصلي كل فرض لوقته بلا جمع ، وتبيت بمنى ليلة عرفة ، وهذا المبيت سنة ليس بواجب ، وقد فعله النبي  .

من أين يحرم الحاج والمعتمر في مكة :

والحاج يحرم بالحج من أي مكان من مكة ، فقد أحرم أصحاب النبي  من منزلهم الذي نزلوه في مكة وهو الابطح ، متفق عليه ، وأما المعتمر فيحرم من أدنى الحل ، كما أمر النبي  عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة رضي الله عنها إلى أدنى الحل لتحرم بالعمرة متفق عليه ، وسواء كان الحاج والمعتمر من أهل مكة أو جاء إليها من خارجها .

***إلى عرفـــــــة :

ثم الأفضل أن تصلي الفجر في منى بعد البيات فيها ، وتبقى حتى تطلع الشمس ، ، ثم تسير من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس ، ويسن لك أن تنزل بنمرة وهو موضع بجانب عرفة ، حتى إذا زالت الشمس ، تدخل إلى عرفة ، وتسمع خطبة الإمام ، وتصلي الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم ، وتبقى في عرفة إلى الغروب ، يستحب لك في أثناء ذلك أن تكثر من الدعاء والتلبية وذكر الله تعالى .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال  ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ) رواه أحمد والترمذي .

والوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم ، من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج قال  ( الحج عرفة من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه ) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم .

القدر الواجب من الوقوف بعرفة

ويجب على كل حاج أن يقف بعرفة أي وقت من النهار أو الليل من أول طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر ، فمن فاته دخول عرفة في أثناء ذلك ولو للحظة فقد فاته الحج ، ومن وقف بها ولو مرورا ، فقد أدرك الحج ، ولكن من دخلها من النهار يجب عليه أن يجمع مع ذلك جزءا من الليل ولو لحظة ، فيخرج عند غروب الشمس لا قبلها ، فإن خرج من عرفة قبل الغروب يجب عليه أن يعود فيبقى إلى الغروب ، فإن لم يفعل صح حجه ولكن عليه دم شاة يذبحها بمكة في حدود الحرم لفقرائه ، وذلك لتركه الواجب ، وإن لم يتيسر له الوقوف إلا ليلا أجزأه ذلك ولا شيء عليه .

عن عروة بن مضرس قال ( أتيت رسول الله  بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة ، فقلت : يا رسول الله إني جئت من جبل طيء ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال رسول الله  : من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا ، فقد تم حجه وقضى تفثه ) رواه الخمسة

ويجب أن يكون مسلما عاقلا محرما ولو كان نائما أو جاهلا أنها عرفة .

وفي أي مكان وقفت من عرفة أجزأك ، والوقوف عند جبل الرحمة ليس واجبا ، كما يظنه الجهال ، ويتزاحمون عليه ، يظنون أن في ركوبه أجر ، فيشقون على أنفسهم بغير طائل ، بل في أي مكان وقفت من عرفة فقد أجزأ ، قال  وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه .

***إلى مزدلفـــــــــــــــــة :

فإذا غربت الشمس ، ادفع إلى مزدلفة وعليك بالسكينة ، فإذا وصلتها اجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير فإن النبي  أول شيء فعله في مزدلفة جمع صلاتي المغرب والعشاء ، ثم عليك أن تبيت بها وتصلي فيها الفجر ، حتى لو تأخرت فلم تصل إليها إلا فجرا بسبب زحمة الطريق ، فعليك أن تصلي فيها الفجر ، ولاشيء عليك في هذه الحالة ، لانك معذور ، فإذا صليت الفجر ، استحب لك أن تذهب إلى المشعر الحرام ــ مرتفع صغير في مزدلفة ـ وأن تبقى ذاكرا لله تعالى حتى يسفر الوقت جدا، هكذا فعل  كما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه ، فإن لم يتيسر لك الذهاب إلى المشعر الحرام ، فاذكر الله تعالى وادعوه في مكانك الذي أنت فيه من مزدلفة ، ويستحب أن تذكر الله حتى يسفر جدا ، وتدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس ، عن عمر رضي الله عنه ( كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير فخالفهم النبي  فأفاض قبل طلوع الشمس ) رواه الجماعة إلا مسلما .

ثم تخرج من مزدلفـــــــــــة إلى منى .

ويجوز لك أن تدفع من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل إن كنت من الضعفاء ، كالمرضى الصغار وكبار السن والنساء وأهل الأعذار ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كنت فيمن قدم النبي  في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى ) متفق عليه .

وعن عائشة قالت ( كانت سوده امرأة ضخمة ثبطة ( بطيئة الحركة ) فاستأذنت رسول الله  أن تفيض من جمع بليل فإذن لها ) متفق عليه

***إلى منى لرمي جمرة العقبـــة :

ثم تدفع من مزدلفة إلى منى ، متوجها إلى جمرة العقبة ، فإن كان طريقك من وادي محسر ، وهو واد بين مزدلفة ومنى استحب لك أن تسرع السير ، غير أن هذا لا يتيسر الآن بسبب زحمة السيارات ، فإذا وصلت إلى جمرة العقبة ، فارمها بسبع حصيات ، يجب عليك أن تسقط كـل حصاة في الحوض رميا ـ لاوضعا باليد ـ ، ولا يجب أن تصيب الشاخص ، كما يظن ذلك الجهال ، يرمون الشاخص حتى تضربه الحصاة ، فترتد بعيدا عن الحوض ، ومثل هذا لا يصح ولا يجزيء ، لان الشاخص إنما وضع لتستدل به على الحوض فقط ، وليس ليكون هدفا للرمـــــــي .

ويجب أن تنتبه إلى أن حوض جمرة العقبة إنما هو من جهة واحدة فقط ، فاحذر أن يكون رميك الحصى من الجهة الأخرى التي وضع لها حائط إسمنتي كبير ، بل من الجهة التي فيها الحوض فقط ، فترمي الحصى حتى تسقط في الحوض

ويستحب أن تكبر مع كل رمية .

وجميع الحاج يوقف التلبية عندما يرمي جمرة العقبة .

عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما ( كنت رديف النبي  من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ) رواه الجماعة .

ولك أن تلتقط الحصى من أي مكان ، حتى من منى ، ولم يصح عن النبي  شيئا في تحديد مكان دون غيره يستحب أن يلقط فيه الحصى .

وتكون الحصى بين الحمص والبندق ، قال جابر رضي الله عنـه ( مثل حصى الخذف ) رواه مسلم ، ولايجزيء غير الحصى كالحديد وغيره .

وأفضل وقت الرمي بعد طلوع الشمس ضحى ، ويجوز بعد الفجر ، ولا يجوز قبله ، إلا للضعفاء وأهل الأعذار الذين دفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل ، ومن يقوم على أمرهم له حكمهم ، فيجوز لهم أن يرموا عند وصولهم ولو قبل الفجر ، لحديث عائشة قالت أرسل رسول الله  بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم أفاضت ، رواه أبو داود وغيره .

والأولى أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس أيضا فعن ابن عباس رضي الله عنه قال ( قدمنا رسول الله  ، ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على جمرات ، فجعل يلطخ أفخاذنا ، ويقول : أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ) رواه أبو داود والنسائي .

***أعمال يوم النحر، يوم الحج الأكبــــر :

ثم بعد ذلك تنحر هديك إن كان عليك هدي بأن كنت متمتعا أو قارنا ، أما المفرد فلا هدي عليه ، ووقت النحر يمتد إلى آخر أيام التشريق ، ويجب أن يكون في حدود الحرم ، فلا يجوز نحر الهدي في عرفة مثلا أو أي مكان من الحل ، ويجوز ليلا أو نهارا من أيام التشريق ، وليس له اثر في تحلل الحاج .

ومن لا يقدر على شراء الهدي ، يصوم ثلاثة أيام في الحج ، قبل يوم النحر أو في أيام التشريق ، ولا يجوز لاحد أن يصوم أيام التشريق إلا من لم يجد الهدي من الحجاج ، ويصوم سبعة إذا رجع إلى أهله .

ولايجزيء في الهدي إلا الجذع من الضأن وهو ماله ستة شهور فأكثر ، والثني من المعز والبقر والإبل ، وهو من المعز ماله سنة فأكثر ، ومن البقر وهو ماله سنتان فأكثر ، ومن الإبل وهو ماله خمس سنوات فأكثر ، وتجزيء البقرة والبدنة عن سبعة .

ثم تحلق أو تقصر من شعرك والحلق أفضل ، والمرأة تقص من طرف شعرها قدر أنملة ، وقد دعا النبي  للمحلقين قائلا رحم الله المحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة متفق عليه .

والأفضل أن يبدأ المحلق من جانب الرأس الأيمن ثم الأيسر رواه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه .

ثم تنطلق إلى البيت لتطوف طواف الإفاضة ، وهو طواف الحج ، ويسمى أيضا طواف الزيارة ، وليس في هذا الطواف اضطباع ولا رمل .

وبعد الطواف تسعى بين الصفا والمروة إن كنت متمتعا ، أو كنت قارنا أو مفردا ولم تسع بعد طواف القدوم ، فيجب عليك أن تسعى هنا .

فالمتمتع يسعى سعين ، سعي لعمرته وسعي لحجه ، وأما القارن والمفرد فيسعيان سعيا واحدا ، لحديث عائشة رضي الله عنها ( وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فقد طافوا طوافا واحدا ) تعني الطواف بين الصفا والمروة وهو السعي ، متفق عليه .

ويجوز لاهل الأعذار أن يطوفوا بعدما يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل .
ويجوز لك أن تأخر طواف الإفاضة إلى آخر شهر ذي الحجة إن شئت ، ولكنك في هذه الحالة لاتكون قد تحللت الحل كله ، بل يجب عليك أن تعتزل النساء حتى تطوف طواف الإفاضة .

ويجوز لك أن تقدم أو تأخر بين هذه الانساك ، إذ لايجب فيه الترتيب كما ذكر آنفا ، بل الترتيب مستحب .

عن ابن عباس رضي الله عنها قال إن النبي  قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير ، فقال لاحرج متفق عليه .

وأما النبي  فرمى أولا جمرة العقبة بعد طلوع الشمس ضحى ، ثم نحر هديه ، ثم حلق رأسه ، ثم طاف بالبيت وصلى الظهر بمكة ، ثم رجع منى فصلى بها الظهر مرة أخرى أيضا نافلة .

عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله  ( أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى) متفق عليه ، وفي حديث جابر أن النبي  انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر رواه مسلم ، وجمع بينهما الإمام النووي رحمه الله أنه صلى بمكة الظهر ، ثم رجع فصلى الظهر إماما لأصحابه في منى أيضا

***التحلل الأكبر والأصغـــــر :

وإذا فعلت اثنين من هذه الثلاثة وهي رمي جمرة العقبة ، والحلق أو التقصير ، وطواف الإفاضة ، فقد حل لك كل شيء إلا النساء ، ويسمــى التحلل الأصغر.

فإن فعلت ما بقي مع السعي إن لم تكن قد سعيت من قبل ، فقد حل لك كل شيء حتى النساء ، ويسمى التحلل الثاني أو الأكبر .

ويتوجه القول بأن الحاج إذا رمى جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء ، وهوأصح قولي الفقهاء ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : طيبت رسول الله  بيدي حين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت رواه أحمد وغيره ، وهو رواية في مذهب أحمد ، واختيار الإمام ابن قدامة رحمه الله ، وسمعت العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه يفتي بذلك .

***إذا جامع المحـــــرم :

ومن جامع قبل التحلل الأول فعليه أربعة أمور :

الأول : فساد النسك .

الثاني : المضي في فاسده ، فيكمل حجه كأنه غير فاسد .

الثالث : وجوب القضاء ثاني عام .

الرابع : عليه أن يذبح بدنه ويوزع لحمها على فقراء الحرم .

عن عمر وعلي وأبي هريرة أنهم سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم الحج ، فقالوا ينفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما ، ثم عليهما حج قابل والهدي ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه سئل عن رجل وقع بأهله وهو بمنى قبل أن يفيض فأمره أن ينحر بدنه ) رواهما مالك في الموطأ .

ومن جامع بعد التحلل الأول وقبل الثاني :

فهو مخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد من البر أو صاع مما سواه ، وعليه إن يخرج إلى أقرب الحل ، فيحرم منه لطواف الإفاضة ، إلا إن كان قد طاف طواف الإفاضة ورمى ولكنه جامع قبل الحلق أو التقصير فلا حاجة ليجدد إحرامه .

ومن جامع قبل تمام العمرة فعليه شاة .

***المبيت بمنى ليالي التشريــــق :

ثم تعود إلى منى لتبيت بها ثلاث ليالي ، أو ليلتين إن تعجلت ، والواجب أن تبيت معظم الليل ـ أكثر من نصفه ـ في منى ، ليلة الحادي عشر من ذي الحجة ، وليلة الثاني عشر من ذي الحجة ، ذلك إن تعجلت في يومين ، وليلة الثالث عشر من ذي الحجة إن تأخرت ، وهذه الأيام الثلاثة تسمى أيام التشريق ، وهي التي قال الله عنها ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ) .

والدليل على وجوب المبيت بمنى حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( استأذن العباس رسول الله  أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له ) متفق عليه ويدل إذنه للعباس رضي الله عنه ، على أنه واجب على غير أهل الأعذار .

رمي الجمار أيام التشريـــــق :

ويجب عليك أن ترمى الجمار في أيام التشريق ، ووقت رميها في هذه الأيام ، من زوال الشمس إلى طلوع الفجر ، قال جابر رضي الله عنه ( ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق إذا زالت الشمس ) رواه مسلم .

فتبدأ بالجمرة الصغرى فترميها بسبع حصيات ، تكبر مع كل حصاة ، حتى تقع الحصاة في الحوض ، وتحاول أن تستقبل القبلة مع استقبال الجمرة حال الرمي ، فإن لم تستطع فاستقبل الجمرة وهذا يكفي ، ثم اجعلها عن يسارك وتأخر للدعاء ، وأطل فيه ، لان النبي  أطال الدعاء في هذا الموضع ، ثم انطلق إلى الجمرة الوسطى ، فافعل مثل ما فعلت عند الصغرى ، ولكن اجعلها عن يمينك وابتعد قليلا عن الزحام وأطل في الدعاء ، ثم انطلق إلى الجمرة الكبرى ، فارمها بسبع حصيات من جهة الحوض ليقع الحصى فيه ، ولاتقف عندها للدعاء فإن النبي  لم يفعل ذلك .

ويجب أن يكون الرمي على هذا الترتيب ، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، فإن أخللت بالترتيب ، أعــد الرمي .

فإن شق عليك أن ترمي كل يوم ، بسبب كبر السن أو المرض أو الإعياء أو شدة الزحام أو طبيعة عملك في الحج ونحو ذلك ، جاز لك أن تجمع رمي يومين في يوم ، فترمي في اليوم الثاني ، أولا رمي اليوم الأول ، حتى تنتهي من الصغرى فالوسطى فالكبرى ، ثم تعود فترمي رمي اليوم الثاني الصغرى فالوسطى فالكبرى ، أو تجمعها كلها في اليوم الثالث ، إن لم تتعجل في يومين ، فترمي في هذه الحالة بالترتيب وفق النية ، تبدأ برمي اليوم الأول حتى تنتهي منه ، ثم تعود إلى الصغرى فترمي بينة اليوم الثاني ، ثم الثالث هكذا .

***التعجل والتأخـــر :

ويجوز لك أن تتعجل في يومين ، فإذا رميت الجمار ثاني أيام التشريق ، تطوف طواف الوداع قبل أن تغادر مكة ، والأفضل أن تتأخر ، فتبيت بمنى ليلة الثالث عشر من ذي الحجة وهو آخر أيام التشريق ، وترمي الجمرات بعد الزوال يوم الثالث عشر من ذي الحجة ، ثم تطوف طواف الوداع قبل أن تغادر .

ويشترط لمن عزم على التعجل في يومين أن يرمي الجمرات في اليوم الثاني قبل غروب الشمس ثم يخرج من منى ، فإن بات بها ، أو أدركه الليل وهو فيها ، وجب عليه أن يأتي برمي اليوم الثالث بعد الزوال فيتأخر ، ولابأس إن حبس بسبب الزحام حتى أدركه الغروب وهو في منى بغير اختياره ، فليرم وينفر إن شاء التعجل لانه معذور

***طواف الوداع :

ولا يجب عليك طواف الوداع إلا إذا عزمت الخروج من مكة ، فإن أردت البقاء فيها ، فإنك تؤخره إلى أن تعزم على مغادرتها .

ولا يجوز لك أن تنشغل بشيء بعد طواف الوداع ، بل تبادر إلى مغادرة مكة ، إلا أن تنتظر صحبة تلحق بك ، أو تشتري حاجاتك في طريقك ونحو ذلك .

والحائض يسقط عنها طواف الوداع ، فإذا انهت رمي الجمار ، فلها أن تسافر ، عن ابن عباس رضي الله عنه قال ( أمر الناس أن يكون أخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفف عن المرأة الحائض ) متفق عليه .

ويجوز لمن أخر طواف الإفاضة أن يطوفه وينوي به طواف الإفاضة والوداع ، طوافا واحد ، ويغادر ، حتى لو كان عليه سعي بعد الطواف ، لان ذلك لا يخالف قول النبي  في الحديث السابق فالسعي متعلق بالبيت أيضا .

***فوات الحـــج :

ومن أدركه من الحجاج طلوع فجر يوم النحر ، ولم يقف بعرفة ولو للحظة ، فقد فاته الحج ، وانقلب إحرامه عمرة ، فيطوف ويسعى ويتحلل ، ويقضى من العام القادم ، ويذبح هديا في قضاءه ، إلا إذا كان قد اشترط فلاهدي عليه ولاقضاء .

***الاحصـــار :

ومن منع مانع عن إتمام حجه قبل أن يحرم بالنسك رجع ولاشيء عليه .
وإن كان بعد إحرامه وقد اشترط قائلا عند إحرامه ( ومحلي حيث حبستني ) حل من إحرامه ولبس ثيابه ولاشيء عليه .

وإن لم يكن قد اشترط ، فإن حبس عن الحج كله ولا يستطيع أن يصل إلى البيت ، ذبح هديا في المكان الذي حصر فيه ، أو بعث به إلى الحرم ، ثم حلق أو قصر وصار حلالا .
وهذا هو الإحصار ، وأصح قولي العلماء أن الحاج يصير محصرا يجوز له تحلل المحصر سواء احصر بعدو وغيره كالمرض وذهاب النفقة .

فإن لم يجد هديا في موضعه الذي أحصر فيه ، أناب من يذبح عنه الهدي في الحرم ثم حل ، فإن كان فقيرا لا يقدر على ذبح الهدي ، صام عشرة أيام ثم حل في قول الجمهور ، والصحيح لاشيء عليه ، فيحلق أو يقصر وقد حل .

ومن حبس عن عرفة فقط ، ذهب إلى البيت وتحلل بعمرة ولاشيء عليه ، إن كان قبل الفوات ، وإن كان تحلله بعمرة بعد الفوات ، فعليه القضاء .

وإن وقف بعرفة وحصر عن إتمام بقية الحج ، يذبح هديا بنية التحلل ويحلق أو يقصر، ويكون بذلك قد حل من إحرامه كمن احصر عن الحج كله .

***صيد مكــــــــة :

ويحرم صيد مكة على الحاج وغيره ، فكل ما يحرم صيده حال الإحرام ، يحرم صيده في حدود الحرم المكي ، وكذلك الحرم المدني .

ولا يجوز قطع شجر الحرم وحشيشه ، اللذين لم يزرعهما الآدمي .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال  يوم فتح مكة ( إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه ولايختلى خلاه ولا ينفر صيده وتلتقط لقطته إلا لمعرف ) متفق عليه ، ومعنى لا يعضد شوكه أي لا يقطع الشجر الذي فيه شوك ، والمقصود لا يقطع كل الشجر حتى الذي فيه شوك ، ومعنى يختلى خلاه أي لا يقطع الحشيش الرطب منه ، دون اليابس فيجوز ، وكذلك رعي الأنعام يجوز مطلقا لان النبي  وأصحابه لم يكمموا أفواه ما معهم من النعم في الحرم .

ومعنى لا تلتقط لقطته إلا لمعرف ، أن من وجد في الحرم لقطة وجب عليه أن يعرفها أبدا ، وأما في غير الحرم فيعرفها سنة ثم يأخذها إن لم يأت صاحبها ، فإن جاء يوما من الدهر ، دفعها إليه أو دفع ثمنها إن طلبها صاحبها .

***زيارة المدينة المنـــــورة :

ويستحب للحاج أن يغتنم فرصة وجوده بمكة ، فيكثر من الطواف في البيت ، ويزداد من الصلاة في المسجد الحرام ، فعن جابر رضي الله عنه قال  ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) رواه أحمد وابن ماجة

ويستحب له أن يصلي داخل الكعبة إن استطاع ، أو في الحجر فإنه من الكعبة.

وأن يحمل معه من ماء زمــــزم

زيارة المسجد النبوي وإحـــذر الشرك ووسائله :

وزيارة المسجد النبوي سنة مستحبة ، ولكن لاتعلق لها بمناسك الحج ، وكل ما ورد من أن الحج لا يقبل بغير زيارة قبر الرسول  ، أو أن ذلك جفاء له  ، مثل ما يروى ( من حج فلم يزرني فقد جفاني ) ، كل ذلك لا يصح و لاتقوم به حجة .

ولا يجوز أن ينوي المسافر إلى المدينة شد الرحال إلى قبر النبي  لقوله  ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) متفق عليه من حديث أبي هريرة .

ولكن ينوي زيارة مسجد النبي  ، وله أن يزور القبر الشريف مصليا ومسلما على النبي  ، ومسلما على صاحبيه رضي الله عنهما ، وله أن يدعو الله تعالى عند الزيارة مع استقبال القبلة ، ولا يستقبل الحجرة التي فيها القبر حال الدعاء ، ولا يجوز لاحد أن يدعو عبدا من دون الله تعالى ، لاملكا مقربا ، ولانبيا مرسلا ، قال تعالى ( وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا ) .

ولا يجوز سؤال الشفاعة إلا من الله تعالى ، قال تعالى ( قل لله الشفاعة جميعا ) ، فيقول الزائر ( اللهم ارزقني شفاعة نبيك  ) ونحو ذلك .

ولا يجوز التبرك بجدران الحجرة التي فيها القبر الشريف ، ولا بشيء من قبور الصالحين وآثارهم ، فذلك بدعة ضلالة ، وقد قال  ( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) رواه الترمذي وأبو داود .

كتاب الحج من عمدة الفقه للشيخ العلاّمة محمد المختار الشنقيطي - المدرس بالحرم النبوي-


كتاب الحج من عمدة الفقه للشيخ العلاّمة محمد المختار الشنقيطي - المدرس بالحرم النبوي-

قال الإمام المصنف رحمه الله تعالى : [ كتاب الحج والعمرة ] :
الشرح :

بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين ، وعلى آله وصحبه ، ومن سار على سبيله ، ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد :

فيقول المصنف -رحمه الله- : [ كتاب الحج والعمرة ] : يشتمل هذا الكتاب على بيان الركن الخامس من أركان الإسلام وهو ركن الحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا ، ومن عادة العلماء من المحدثين والفقهاء أن يختموا أركان الإسلام ببيان أحكام الحج وأحكام العمرة ؛ وذلك لأن النبي رتّب هذه الأركان فجعل خاتمتها الحج ؛ كما في الصحيح من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله : (( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا )).

ومناسبة كتاب الحج لكتاب الصوم واضحة ، وقد رتبها المصنف على ترتيب السنة .

والحج في لغة العرب : القصد . قال بعض العلماء : القصد إلى كل شيء حج .

وقال بعض أئمة اللغة : بل إنه يختص بالقصد إلى الأشياء المعظمة ، وأيا ما كان فإن أصل معناه القصد .

وأما في الاصطلاح : فهو القصد إلى بيت الله الحرام والمناسك بأفعال مخصوصة ونية مخصوصة. وأما العمرة فإنها في لغة العرب : الزيارة ، وأما في اصطلاح العلماء فهي زيارة البيت بطوافه والسعي بين الصفا والمروة .

وهاتان العبادتان متلازمتان ، ولذلك يقول العلماء : الحج نوعان : حج أكبر ، وحج أصغر. فالحج الأكبر هو الحج إلى بيت الله الحرام ، وأداء المناسك من : الوقوف بعرفة ، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى ، وهذه كلها متعلقة بالحج الأكبر ، وأما بالنسبة للحج الأصغر فهو العمرة ؛ وقد أشار الله عز وجل إلى ذلك بقوله سبحانه : { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر } فبين أن الحج فيه أكبر وفيه أصغر .

والأصل في مشروعية الحج دليل الكتاب والسنة والإجماع :

أما كتاب الله ؛ فإن الله تعالى يقول : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } .

وأما السنة فأحاديث ، منها : حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- المتقدم حيث عدّ النبي الحج إلى بيت الله الحرام ركنا من أركان الإسلام .

وكذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة ، منها : حديث سؤال الأعرابي النبي عن فرائض الإسلام ، وذكر منها الحج .

وأما الإجماع فقد أجمع العلماء -رحمهم الله- على فرضية الحج، وأنه ركن من أركان الإسلام. وأما العمرة فإن العلماء -رحمهم الله- اختلفوا فيها على قولين :

قال بعض العلماء : إنها واجبة ، وهذا هو مذهب الحنابلة والشافعية في المشهور وقال به بعض أئمة السلف -رحمة الله على الجميع- .

ومنهم من قال : إنها سنة مستحبة وليست بواجبة كما هو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة ؛ والدليل على وجوبها أن الله تعالى قال : { ولله على الناس حج البيت } فأمر عباده بالحج إلى بيته ، وبيّن في كتابه أن الحج حج أكبر وأصغر، فدل على وجوبهما ، ولم يأتِ دليل بإخراج العمرة من هذا الأصل .

وأما السنة فإن النبي قال لأبي رزين العقيلي -رضي الله عنه وأرضاه- وقد سأل النبي في فريضة الحج حيث أدركت أباه شيخا كبيرا لا يستقيم على الراحلة . فقال له : حج عن أبيك واعتمر ، فقد صحح هذا ا لحديث غير واحد من أئمة الحديث كالإمام الترمذي -رحمه الله- وغيره .

فقوله عليه الصلاة والسلام : (( حج عن أبيك واعتمر )) فأمره أن يعتمر؛ فدل على وجوب العمرة .

وقد قال كما في حديث عائشة الحسن في السنن عنها -رضي الله عنها- أن النبي لما سألته أَعَلَى النساء جهاد ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : (( عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة )) وبناء على ذلك فأصح قولي العلماء هو وجوب العمرة .

وأما الذين قالوا بعدم الوجوب فقد قالوا إن الكتاب نص على وجوب الحج ولم ينص على وجوب العمرة .

والجواب عن ذلك ظاهر حيث إن الحج شامل للأصغر والأكبر كما دلت عليه نصوص الكتاب وكذلك الأحاديث التي وردت بالأمر بالحج يندرج تحتها العمرة .

وأما بالنسبة لقوله -رحمه الله-: [ كتاب الحج والعمرة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالحج إلى بيت الله الحرام والعمرة ، وكلتا العبادتين عظيم عند الله أجرها عظيم ثوابها ؛ وقد قال في الحديث الصحيح : (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )) ، وقال : (( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) وهما من أجلّ ما يتقرب به العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، وما من مسلم يخرج من بيته من أجل أداء هذه العبادة حجا كانت أو عمرة فقصدهما لوجه الله إلا كان أجره وثوابه على الله عز وجل ، ولذلك عُدّ الخروج في الحج من أعظم الخروج ثواباً وأجراً كما أخبر النبي في فضائل الأعمال أن منها الحج المبرور ، ولا يكون الإنسان بارا في حجه إلا إذا استجمع أسباب البر التي أعظمها الإخلاص لله عز وجل ، وطيب المكسب ، وتحري السنة وهدي النبي في حجه ، فهو منذ أن يتجرد من ثيابه ، ويتجرد من مخيطه ، ويلبس ثوبيه ، يتأمل السنة الواردة عن النبي يحج كحجه ، ويعتمر كعمرته ، حتى كأنه يرى رسول الله أمامه في طوافه ، وفي سعيه ، وفي مناسكه كلها ، فإذا وُفّق للكسب الطيب ووُفق للإخلاص لله عز وجل ووفق لتحري السنة كان حريا أن يرجع إلى بيته بالحج المبرور، وبخاصة إذا اتقى الله في سمعه وبصره ولسانه فلم يرفث ولم يفسق ولم يعتد حرمات الله عز وجل في إخوانه المسلمين .

يقول المصنف -رحمه الله-: [ كتاب الحج والعمرة ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالحج والعمرة .

قال رحمه الله : [ يجب الحج والعمرة مرة في العمر ] : يجب الحج والعمرة مرة في العمر لأن النبي لما سأله الصحابي وقد قال : (( أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا )) فقام له الأقرع بن حابس وقال: يا رسول الله ، أفي كل عام ؟ فسكت النبي - ثم قال: (( أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا )) فقام الأقرع وقال : أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال : (( ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم )) وقال في اللفظ الآخر : (( لو قلت : نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ذروني ما تركتكم )) الحديث .

فقد قال : (( لو قلت نعم لوجبت )) أي لوجب عليكم أن تحجوا كل عام ، فدل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة ؛ لأنه لم يقل : نعم -صلوات الله وسلامه عليه- .

فالواجب مرة في العمر، وهذا من رحمة الله بعباده ، ولو تصور المسلم أن الحج واجب في كل عام على المسلم لنظر في ذلك من المشقة والبلاء للناس ما الله به عليم .

قال رحمه الله : [ على المسلم ] : على المسلم : لأن الكافر إذا حج لا يصح حجه ؛ قال تعالى : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } فالكافر عمله قد أحبطه الله فعليه أولا أن يُسْلم ثم بعد ذلك يخاطب بفعل الحج ويصح منه حجه بعد إسلامه ؛ إذاً الإسلام شرط لوجوب الحج وإجزائه وصحته ، فلا يجب الحج على غير الكافر أصلا حتى يحقق أصل الإسلام بالتوحيد. وكذلك أيضاً لا يصح من الكافر لظاهر القرآن كما ذكرنا ، ولا يجزيه لو حج الكافر بكفره لم يجز عن حجة الإسلام بل الواجب عليه أن يعيد حجه ؛ وقد صح عن النبي أنه بعث مناديه ينادي في الحج: (( أن لا يحج بعد العام مشرك ، وأن لا يطوف بالبيت عريان )) ، فدل على أن الحج لا يصح من الكافر .

قال رحمه الله : [ العاقل ] : العاقل : وهذا أيضا شرط وجوب وصحة وإجزاء ، فلا يجب الحج على مجنون ؛ لأن النبي قال : (( رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق )) حتى يفيق من جنونه وهذا الحديث عن عائشة وعلي -رضي الله عنهما- حديث صحيح .

وأجمع العلماء على عدم وجوب الحج على المجنون .

قال رحمه الله : [ البالغ ] : البالغ : وقد تقدم معنا في الصوم من هو البالغ ، سواء كان بلوغه بالسن من الرجال والنساء وهو بلوغ خمس عشر سنة ، وبينا دليل ذلك ، أو بالإنبات وبينا دليل ذلك ، أو كان بالحيض والنفاس كما هو خاص بالنساء ، فإذا بلغ فإنه يجب عليه الحج ، ويجزيه الحج إذا أداه في حال بلوغه ، ويصح الحج من الصبي فلو أن صبيا أحرم بالحج ولبى في الحج أو العمرة وأدى مناسك الحج والعمرة ؛ صح منه ذلك ؛ لأن النبي لما أحرم عام حجة الوداع وبلغ فج الروحاء وهو ما يسمى اليوم ببئر الراحة اعترضه ركب فقال : من الركب ؟ قال: المسلمون، ثم سألوا من الركب ؟ قالوا : رسول الله وأصحابه . فرفعت امرأة صبيها إليه فقالت : يا رسول الله، ألهذا حج ؟ قال : (( نعم ولك أجر )) .

فبين أن الحج يصح من الصبي ، والصبي ينقسم إلى قسمين : إما أن يكون صبيا دون التمييز، ومثل أن يكون له أربع سنوات أو ثلاث سنوات أو حتى يحمل كالصبي الذي يحمل كذي السنة أو السنتين فإذا كان كذلك فهو دون التمييز، وإما أن يكون مميزا يعلمه أبوه أو وليه فيؤدي المناسك. فأما بالنسبة للصبي غير المميز؛ فإنه يحرم عنه وليه ؛ سواء كان رجلا أو امرأة ، فيجوز للأم أن تلبي عن صبيها وصغيرها، ويجوز للأب أن يلبي عن صبيه وصغيره ، ثم إذا أحرم الأب أو أحرمت الأم عن الصغير والصغيرة قام بمناسك الحج بالنية عنه ، وطاف به ولو محمولا يطوف عن نفسه، ثم يطوف عنه وسنبين هذا ، ثم إذا حصل إخلال من هذا الصبي لزم الولي في ماله ولا يلزم في مال الصبي ؛ لأنه هو الذي أحرم .

وأما إذا كان الصبي مميزا ؛ فله حالتان : الحالة الأولى أن يرغب الصبي بنفسه ، فيحرم من نفسه ويطلب ذلك ، فإذا حصل منه إخلال وجب ضمانه في ماله كما لو ارتكب جناية ، وقد سوي بين حق الله وحق المخلوق في الضمانات .

وأما إذا كان وليه هو الذي أمره وهو الذي ألزمه ؛ فمذهب طائفة من العلماء بوجوب الفدية على الولي والإخلالات عليه .

أما من حيث صحة الحج فالحج والعمرة يصحان من الصبي سواء كان مميزا أو كان غير مميز ، ثم إذا كان مميزا علمه والده الأذكار والأفعال ودله عليها وأرشده إليها، وقام بها الصبي بنفسه أصالة إلا أن يعجز فيوكل فيما تدخله الوكالة . فبيّن رحمه الله أن البلوغ شرط من شروط الحج ، والمراد بهذا الشرط أنه شرط إجزاء ووجوب وليس بشرط صحة ، وعلى هذا فإنه يصح الحج من الصبي ولا يجب عليه .

قال رحمه الله : [ الحر ] : الحر ضد المملوك ، وعلى هذا فإنه إذا حج المسلم البالغ العاقل الحر صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام .

وأما إذا كان مملوكا فقد نصت نصوص الكتاب والسنة على أنه ملك لسيده ، مأمور بالقيام بحقه؛ ولذلك قال تعالى : { عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } ووصفه بهذا الوصف وقد ذكرنا غير مرة أن الإسلام ضرب الرق دون نظر إلى جنس ولا لون ولا بلد ، وإنما أوجب الرق على من كفر بالله في الجهاد الشرعي بإذن ولي الأمر، فإذا ضرب الرق على هذا الوجه فقد ضرب على من يستحقه ؛ لأن الآدمي كرمه الله وشرفه ، فإذا كفر بالله ووقف في وجه الإسلام حاملا سلاحه مقاتلا للمسلمين نزل إلى مقام أحط من مقام البهيمة ؛ كما قال تعالى : { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل } فقد كفر نعمة سيده ومولاه ، فحكم الله عليه بالرق ، وفي هذه الحالة يكون ملكا لسيده كما قال تعالى : { وما ملكت أيمانهم } وعليه فإنه لا يخاطب بالحج ولا يجب عليه إلا بعد أن يعتق .

قال رحمه الله : [ إذا استطاع إليه سبيلا ] : إذا استطاع إليه سبيلا : هذا الشرط الأخير وهو شرط الاستطاعة ؛ والأصل فيه قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } أي استطاع سبيلا إلى البيت الحرام وأداء المناسك في الحج والعمرة .

وأجمع العلماء -رحمهم الله- على اعتبار شرط الاستطاعة من حيث الأصل ، وعلى هذا فلو كان فقيرا أو ليس عنده زاد أو ليس عنده نفقة الذهاب إلى مكة ؛ فإنه لا يجب عليه الحج ، وهذا شرط وجوب ، وعلى هذا فلو أنه حج وهو غير مستطيع فتكلف المشقة وحج من عند نفسه
فإنه يصح حجه ويجزيه ، ولا يعتبر موجبا لعدم صحة حجه .

فأصبحت شروط الحج منها ما هو شرط صحة وإجزاء ووجوب وهو شرطا الإسلام والعقل ، ومن الشروط ما هو شرط وجوب وإجزاء وهو الحرية والبلوغ ، ومنها ما هو شرط وجوب فقط وهو النفقة والاستطاعة . هذا حاصل ما ذكره العلماء بالنسبة لشروط الحج، وقد أجملها المصنف -رحمه الله- وبينّها بهذا الترتيب : الإسلام ، ثم البلوغ ، ثم البلوغ، ثم الحرية ، ثم الاستطاعة .

وقسمها العلماء إلى هذه الثلاثة الأقسام : شروط وجوب وصحة وإجزاء ، وشروط وجوب وإجزاء ، وشرط وجوب ، وهو شرط الاستطاعة كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتهما ] : وهو أن يجد زادا وراحلة بآلتهما : إذا كان يشترط في وجوب الحج على الإنسان أن يكون مستطيعا ، فالاستطاعة أن يجد زادا ومركوباً بآلة المركوب وآلة الزاد لإصلاح الطعام ونحو ذلك ، فإذا تيّسر له ذلك فقد وجب عليه الحج ، وعلى هذا ينظر في الاستطاعة إلى الآلة التي يصل بها كالدابة والسيارة ، وهذا مذهب الجمهور -رحمهم الله- .

ومن أهل العلم من قال: لا تشترط الدابة والركوب ، بل إنه يجب عليه إذا كان قادرا على المشي كقوله تعالى : { وأذن في الناس للحجّ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق }

{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا } قال : يأتوك رجالا فدل على أن الركوب ليس معتبرا في الزاد، وقد جاء في السنة ما يدل على اشتراط الركوب ، ولاشك أن الأصل يقتضي أنه إذا كان بعيدا مسافة السفر لابد من أن يتهيأ له ما يوصله إلى البيت ، فهذه الدابة إذا كان يملكها فلا إشكال ، وإن كان لا يملكها نظرنا في أجرة مثله للركوب ، فإذا كانت أجرته مائة ريال في ركوبه وذهابه للحج وإيابه فإننا نقول إذا ملك المائة لركوبه ، ثم ننظر في طعامه ونفقة الطعام فإذا كانت تُكلّفه مثلا مثلها فإننا نقول إذا كان عنده المائتان وأمن الطريق وليس في الطريق خطر عليه فإنه يجب عليه أن يحج ؛ لأنه يستطيع أن يصل إلى البيت ، وهذا المذهب يقوم على تفسير الاستطاعة بشرطين : الراحلة ، والزاد ، كما ورد التفسير في السنة . الراحلة وهو المركوب الذي يركبه لبلوغ مكة كما في زماننا سيارة الأجرة تنزّل منزلة الراحلة ، فإذا وجد من يستأجره أو وجد صديقا يقله ويحمله فحينئذ يسقط الأجرة إذا لم يكن في حمله ضرر كما يقول العلماء إذا لم تكن منة عليه وفي ذلك أذية عليه فلابأس ، وحينئذ يسقط شرط الراحلة ؛ لأنه في حكم من ملك الراحلة .

أما بالنسبة للنفقة فالمراد بها نفقة الأكل ونفقة السكن في ذهابه للنسك وإيابه .

ومن أهل العلم من اعتبر الذهاب دون الإياب ؛ والصحيح أنه معتبر بالذهاب والإياب ، إذا قدّرت النفقة :

فأولا : تقدر ذهابا وإيابا .

ثانيا تقدر للركوب وللأكل .

ثالثا يقدر معها السكن لمثله .

ورابعا أن يكون هذا التقدير يعتد به لمثله ، فلا يبالغ ولا يجحف به ، فينظر إلى مثله إذا ركب يركب ما يرتفق به المثل ، فكبير السن يركب ما لا يركبه الشاب الجلد ، فيحتاج إلى وسيلة تريحه أكثر من الشاب ونحو ذلك مما ينظر فيه على حسب اختلاف الأشخاص .

فالشرط في الاستطاعة الزاد والراحلة ، لكن مع هذا ينبغي اعتبار أمن الطريق ، فأمن الطريق نص عليه العلماء -رحمهم الله- فلو كان الطريق مخوفا أو لا يمكنه بلوغ البيت أو في زمان فتنة فإنه لا يجب عليه أن يحج في ذلك الزمان ، فلو تعسر عليه الوصول إلى البيت إلا من طريق يخاف فيه القتل أو يخاف عدوا من أعدائه فإنه لا يجب عليه حتى يأمن .

قال رحمه الله : [ مما يصلح لمثله ] : مما يصلح لمثله الزاد والراحلة .

قال رحمه الله : [ فضلا عما يحتاج إليه لقضاء دينه ] : إذا قدرنا نفقة هذا المسافر لحجه فرضنا بخمسمائة ريال ما بين الركوب ونفقة النزول ونفقة الأكل فنقول له : يجب عليك الحج إذا ملكت خمسمائة ريال زائدة عن نفقتك الأصلية ونفقة من تعول ، فإذا كان عنده زوجة وعنده أولاد ونفقته الأصلية لهم بخمسمائة ريال ووجد خمسمائة ريال فأصبح المجموع عنده ألف ريال وجب عليه الحج ؛ لأنه ملك نفقة الحج وما يستطيع به الحج فاضلا عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته ، وأما إذا كان دون ذلك فلا يجب عليه .

قال رحمه الله : [ ومؤونة نفسه وعياله على الدوام ] : ومؤونة نفسه وعياله كما ذكرنا .

قال رحمه الله : [ ويعتبر للمرأة وجود محرمها ] : ومن شرط وجوب الحج على النساء أن يكون مع المرأة محرم ، والمحرم شرط في وجوب الحج ؛ لأنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم ؛ فإن النبي -r- قال كما في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- : (( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم )) فبين عليه الصلاة والسلام أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم ؛ وفي الحديث الصحيح أن رجلا من الصحابة قال : يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي انطلقت حاجة . فقال عليه الصلاة والسلام : (( انطلق فحج مع امرأتك )) فأمره أن يحج معها .

فالمَحْرم شرط لوجوب الحج على المرأة ؛ لأنها إذا سافرت وحدها لم تأمن أذية المؤذين ، ولم تأمن أن يصيبها شيء ، فتحتاج إلى من يقوم عليها ، فإذا قام عليها الأجنبي لم تأمن الفتنة ، ومن هنا وضعت الشريعة هذا الشرط لنوع خاص وهم النساء يجب أن يكون معها محرم ، هذا الشرط محله أن تكون المرأة بعيدة عن مكة مسافة القصر فأكثر، أما لو كانت من أهل مكة فيجوز لها أن تحج مع الرفقة المأمونة ولا يشترط وجود المحرم معها ؛ لأنها ليست على سفر؛ لأن مسافة المناسك من مكة ليست مسافة سفر .

قال رحمه الله : [ وهو زوجها ومن تحرم عليه من التأبيد بنسب أو سبب مباح ] : وهو أي المحرم زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح أو رضاع : المحرم أمر مهم ، وينبغي لطالب العلم ولكل مسلم إذا بلغ طور الرجال أن يعرف من هي المرأة التي هي محرم له يجوز له أن يسلم عليها ، وأن يختلي بها ، وأن يسافر معها ، ومن هي المرأة الأجنبية التي هي بخلاف ذلك ، فمعرفة المحارم أمر مهم ؛ لأنه تترتب عليه مسائل شرعية .

والمحرم هو: كل من يحرم على المرأة على التأبيد بنسب أو سبب من المصاهرة أو الرضاع .

{ الرجال قوامون على النساء } .

وأما بالنسبة للمحرم من قرابتها على التأبيد فهم من ثلاث جهات :

الجهة الأولى : جهة النسب .

والجهة الثانية : جهة المصاهرة .

والجهة الثالثة : جهة الرضاع .

فالمرأة إذا حرمت على الإنسان على التأبيد فإنها محرم له إلا في اللعان ، فأما بالنسبة للمحرمة من جهة النسب فقد حرم الله من جهة النسب سبعاً من النساء ، وهن : الأمهات ، والبنات، والأخوات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، والعمات ، والخالات . فهؤلاء سبع من جهة النسب وقالوا نسب لأنه ينسب للإنسان ويضاف إليه .

فأما الأم فهي كل أنثى لها على الإنسان ولادة ؛ سواء كانت مباشرة كأمه التي ولدته ، أو أم أمه وإن علت سواء كانت تمحضت بالنساء كأم أمه وهي الجدة ، أو تمحضت بالذكور كأم أب الأب ، فكل هؤلاء محارم ومحرمات للإنسان ؛ لقوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } وأجمع العلماء -رحمهم الله- على تحريم الأم المباشرة والأم بواسطة سواء تمحضت بالذكور أو بالإناث أو جمعت بينهما .

النوع الثاني : البنات ، والبنت : هي كل أنثى لك عليها ولادة ، سواء كانت مباشرة كبنتك من صلبك ، أو بواسطة كبنت ابنك أو بنت بنتك ، تمحضت بالإناث كبنت البنت ، أو تمحضت بالذكور كبنت الابن ، فهؤلاء كلهن محرمات ومحارم ؛ لقوله تعالى : { وبناتكم } .

النوع الثالث : الأخت ، والأخت هي: كل أنثى شاركتك في أحد أبويك ، أو فيهما معا ، فقول العلماء : هي كل أنثى شاركتك في أحد أصليك المراد بها الأخت لأب أو الأخت لأم ، وهي التي شاركت في أحد الأصلين ، أو شاركت فيهما معا وهي الأخت الشقيقة ، فالأخوات ثلاثة أنواع: شقيقة، ولأب ولأم ، فكلهن محرمات ومحارم لقوله تعالى : { وأخواتكم } .

النوع الرابع : الخالات ، والخالة : هي كل أنثى شاركت الأم في أحد أصليها ، أو فيهما معا، ويشمل هذا الخالة الشقيقة وهي التي شاركت في الأصلين ، والخالة لأب ، والخالة لأم ، فكل واحدة منهما شاركت في أحد الأصلين . الخالة لأم هي أخت الأم لأم ، والخالة لأب هي أخت الأم لأب ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وخالاتكم } ، والخالة يستوي أن تكون خالة لك أو خالة لأصولك ، فخالات الأب وخالات الجد وخالات الجدة كلهن خالات لك ؛ ولذلك قال العلماء : خالات الأصول خالات للفروع .

النوع الرابع : العمات ، وهي كل أنثى شاركت الأب في أحد أصليه ، أو فيهما معا ، فيشمل العمة الشقيقة وهي التي شاركت في الأصلين ، والعمة لأب ، والعمة لأم ، فكل واحدة منهما شاركت في أحد الأصلين ، فإذا شاركت المرأة الأب في الأصلين فهي عمة شقيقة ، وإذا شاركت في أحدهما فهي إما عمة لأب ، أو عمة لأم ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وعماتكم }.

وأما النوع الخامس فهن بنات الأخ ، وبنات الأخ هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة ، فكل ما ولد أخوك فإنه محرم ومحرم عليك نكاحه ؛ لقوله تعالى : { وبنات الأخ } يشمل الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم ، فكل من أنجبوا من النسوة من البنات يعتبرن محارم ومحرمات .

وأما بنت الأخت وهو النوع السابع فهي كل أنثى لأختك عليها ولادة سواء كانت مباشرة كبنت الأخت أو بواسطة كبنت بنت الأخت أنثى كانت أو ذكرا ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى : { وبنات الأخت } .

فهؤلاء كلهن محرمات من جهة النسب ، وتحريمهم إلى الأبد ، فلا يحِللن للإنسان عمره كله .

أما النوع الثاني من المحرمات على التأبيد فهن المحرمات من جهة المصاهرة ، وهن أربعة أنواع : بنت الزوجة ، وأمها ، وزوجة الأب ، وزوجة الابن ، هؤلاء أربعة من النساء يحرم على المسلم أن ينكحهن إلى الأبد . فالتحريم على التأبيد ، وهن محرمات ومحارم .

فأما بالنسبة لزوجة الأب فكل أنثى عقد عليها الأب سواء دخل بها أو لم يدخل ، سواء طلقها أو مات وهي في عصمته ، فكل أنثى عقد عليها تعتبر محرمة عليك إلى الأبد ؛ لقوله تعالى : { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } فقال تعالى : { ما نكح آباؤكم } والمرأة منكوحة للأب بالعقد، فكل امرأة عقد عليه الإنسان فقد نكحها ، سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ كما قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } فوصفهم بكونهم ناكحين قبل الدخول ، فدل على أن كل امرأة عقد عليها الأب ولو لم يدخل بها فإنه ناكح لها ، يستوي في ذلك زوجة الأب وزوجة الجد وإن علا الجد سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم .

أما النوع الثاني من المحرمات من المصاهرة فهي زوجة الابن ، وهي كل أنثى عقد عليها ابنك سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ لقوله تعالى : { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم } فبين I أن كل امرأة صارت حليلة للابن أنها حرام على أبيه وإن علا سواء دخل بها أو لم يدخل ؛ لأنه قال :{ حلائل أبنائكم } وحليلة الابن تكون المرأة حلالا للابن بمجرد العقد ، فلا يشترط دخوله بها، وسواء كان الابن ابنا لك مباشرة أو ابن ابنك أو ابن بنتك ، فلو أن ابن البنت عقد على امرأة في هذه الساعة حل لجده أن يدخل على المرأة وأن يسلم عليها وأن يصافحها وأن يختلي بها ؛ لأنها حرام ومحرم .

وأما بالنسبة لبنت الزوجة وهي النوع الثالث من المحرمات من المصاهرة فبنت الزوجة وهي الربيبة فهي كل أنثى ولدتها الزوجة إذا كانت من زوج آخر سواء كان هذا الزوج قد نكح الزوجة قبل الرجل أو بعده ، فكل من تنجبه هذه المرأة التي نكحتها من النساء فهي ربيبة ، ويستوي أن تكون بنتا مباشرة كبنت الزوجة المباشرة أو بنت بنتها فإنها ربيبة أيضا ، ويستوي أن تتمحض بالإناث أو تتمحض بالذكور فبنت بنتها ربيبة وبنت ابنها ربيبة ؛ والأصل في ذلك قوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } إلا أن الربيبة وهي بنت الزوجة لا تحرم إلا بشرط أن يدخل بأمها ، فإذا دخل بأمها حرمت الربيبة ، ولا يكفي مجرد العقد ، فلو عقد على امرأة ثم طلقها حل له أن ينكح الربيبة وهي بنتها ، ويستوي في الربيبة أن تكون قد تربّت في حجر الإنسان ، أو كانت بلغت قبل أن يدخل بأمها ؛ فإنها ربيبة في مذهب جمهور العلماء ؛ لقوله تعالى: { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن } .

فقوله : { في حجوركم } خرج مخرج الغالب ، والنص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه، وقد دلت السنة على أن الربيبة حرام على الزوج سواء كانت في حجره أو لم تكن في حجره ؛ لأن النبي قال لأم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنها وعن أبيها- كما في الصحيحين- (( فلا تعرِضُن -يخاطب أزواجه- علي بناتكن ولا أخواتكن )) فحرم عليهن أن يعرضن بناتهن فدل على أن الربيبة محرمة سواء كانت في الحجر أو لم تكن في الحجر؛ لأنه لم يقل فلا تعرضن علي بناتكن اللاتي في حجري ، وإنما قال : فلا تَعرضْن علي بناتكن مطلقا فدل على صحة مذهب الجمهور على تحريم الربيبة مطلقا .

أما النوع الرابع من المحرمات من جهة المصاهرة فهي أم الزوجة ، وأم الزوجة هي كل أنثى لها على الزوجة ولادة ؛ سواء كانت أمها المباشرة أو أما لأمها فجدة الزوجة سواء من جهة أبيها أو أمها فإنها محرمة ؛ لأنها أم للزوجة تمحضت بالذكور أو تمحضت بالإناث أو جمعت بينهما ؛ فيجوز للرجل أن يسلم على أم زوجته وعلى جدة زوجته سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم ؛ لقوله تعالى : { وأمهات نسائكم } فدل على أن أم المرأة محرم ؛ ولما قال الله تعالى : { وأمهات} فشمل الأم المباشرة والأم بواسطة ؛ وقال : { وأمهات نسائكم } والمرأة تكون من نساء الإنسان بمجرد العقد ، فبمجرد أن يعقد على زوجة يجوز له بعد العقد أن يدخل على أمها وأن يسلم عليها وأن يختلي بها وأن يسافر محرما لها .

هؤلاء هن المحرمات من جهة النسب ، ومن جهة المصاهرة .

ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ، فتحرم الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وبنت الأخ ، وبنت الأخت ، والأخت من الرضاع ، وكذلك أيضا يحرم من الرضاع بالمصاهرة أم الزوجة من الرضاع، وبنت الزوجة من الرضاع، كلهن محارم، وزوجة الابن من الرضاع، وزوجة الأب من الرضاع، كلهن محارم ، هذا حاصل ما يقال في المحرم على التأبيد .

وقال المصنف: [على التأبيد ] فخرج المحرم من النساء على التأقيت ، فمثلا أخت الزوجة نجد بعض الأزواج الآن يجلس مع أخت زوجته ، فإن قيل له : لماذا تفعل هذا ؟ يقول : إنها محرّمة علي، ولا يفرّق بين التحريم والمحرمية ، فليس كل مُحرَّم نكاحها مَحْرما للإنسان ، الأجنبية محرّم نكاحها لكن ليس معنى ذلك أنها محرم له ، فأخت الزوجة تحرمها مؤقت ؛ لأنه إذا طلق أختها وخرجت من عدتها حل له أن ينكحها ، فليست بمحرم ؛ لأنها محرمة على التأقيت ، وهكذا المطلقة ثلاثا ؛ فإنها محرمة على التأقيت حتى تنكح زوجا غيره ، وهكذا بالنسبة لبقية المحرمات كما في مانع الكفر ومانع الزنا وغيرها من الموانع المؤقتة ، فبين رحمه الله أن التحريم لا يكون إلا من جهة المحرمات على التأبيد .

قال رحمه الله : [ فمن فرط حتى مات أخرج عنه من ماله حجة وعمرة ] : فمن فرط في الحج حتى مات أخرج من ماله نفقة الحج والعمرة بمعنى أنه يحجّجُ عنه ؛ والأصل في ذلك أن النبي جعل الحج دينا لله ، وقال للمرأة : أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ قالت: نعم. قال : (( فدين الله أحق أن يقضى )) فمن وجب عليه الحج في حياته فتركه وفرط فيه وتساهل فيه حتى توفي -والعياذ بالله- ولم يحج ؛ فإنه عاص لله -U- آثم للتأخير ، ثم في ذمته هذه الحج بالبدل ، فيخرج من ماله على قدر ما يستأجر الشخص بنفقته ذهابا وإيابا لمثله في الحج، فلو كان يحجج عن الإنسان بألف ريال إذا توفي وترك خمسة آلاف ريال يؤخذ الألف الريال قبل قسمة التركة ؛ لأنها دين لله عز وجل ولا تقسم التركة إلا بعد قضاء الديون ؛ لقوله تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } وقال في الآية الأخرى : { من بعد وصية توصون بها أو دين } فلا حق للوارث إلا بعد سداد دينه ، فتسدد الديون .

أخرج من ماله على قدر ما يحجّج عنه : إذا استأجر الشخص للحج هناك صورتان :

الصورة الأولى: أن يقول لك: أعطني ما يكفيني للركوب وللأكل وللسكن وهذا ما يسميه العلماء بأجرة البلاغ .

والصورة الثانية : أن يقول لك : أعطني عشرة آلاف، أعطني خمسة آلاف، أعطني ثلاثة آلاف، ما زاد فهو لي ، وما نقص فأنا أضمنه .

فأما الصورة الأولى فيسمونه أجرة البلاغ ، وأما الصورة الثانية فيسمونها أجرة المقاطعة ، يفاصله ويبيع ويشتري معه .

فأما إذا أخذ أجرة البلاغ فلا إشكال في جواز ذلك ومشروعيته أن يحجّج بقدر ما يبلغه ذهابا وإيابا بنفقة مثله ، وإذا حج معتمرا أو قارنا أعطي قيمة الدم لنسكه هذا لا إشكال في جوازه .

وأما إذا قال : أريد خمسة آلاف وما زاد فهو لي ، أريد عشرة آلاف وما زاد فهو لي ؛ فهذا لا يجوز في أصح قولي العلماء ؛ لأن الحج عبادة وليس محلا للتجارة ، وإنما عليه أن يبلغه الحج ، وأن يعطيه ما يبلغه الحج ، وليس محلا لأن يأخذ عليه مقاطعة ، فيكون له الزائد ، ويضمن ما نقص بعد ذلك . يعطيه نفقة حجه ذهابا وإيابا وتؤخذ من تركة الميت .

قال رحمه الله : [ ولا يصح من كافر ولا مجنون ] : ولا يصح الحج من كافر ولا مجنون ؛ قال تعالى في الكافر : { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } فبين أنه لا يصح مع الكفر عمل ، ولا مجنون ؛ لأن المجنون قد رفع عنه القلم فقال : (( رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم المجنون حتى يفيق )) فدل على عدم صحة حج المجنون .

قال رحمه الله : [ ويصح من الصبي والعبد ولا يجزئهما ] : ويصح الحج من الصبي ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام- حينما سألته المرأة : ألهذا حج ؟ قال : (( نعم ، ولك أجر )) فبين أن الحج يصح من الصبي .

قال رحمه الله : [ والعبد ] : والعبد فإذا حج العبد صح ، ولكن لا يجزي الصبي ولا يجزي العبد حجهما حال الصبا وحال الرق ؛ لأنه حج نافلة ، ولم يجب عليهم الحج بعد ، وإنما يخاطب الصبي بالحج بعد بلوغه ، فإذا حج قبل البلوغ فقد تنفل ، فقد أدى العبادة قبل وجوبها عليه، والنافلة لا تجزي عن الفرض ، وهكذا بالنسبة للرقيق ؛ فإنه قد أداها نافلة ، فإذا عتق فإنه يعيد ويحج ، وكذلك إذا بلغ يحج حجة الإسلام ؛ وفي هذا أثر ابن عباس اختلف في رفعه ووقفه ، ومثله لا يقال بالرأي فيجب عليه أن يعيد حجه بعد بلوغه وعتقه .

قال رحمه الله : [ ويصح من غير المستطيع والمرأة بغير محرم ] : ويصح الحج من غير المستطيع فلو أن شخصا لا يستطيع الحج ولكنه تكلف وتجشم ، وكم ترى عينك في الحج أناسا من الحطمة والضعفة وكبار السن ، بل تتعجب كيف بلغ إلى هذه الأماكن ، ولكنها العزيمة . قال بعض السلف : علمت أن قوة الإنسان في قلبه وروحه وليس في جسده ، ثم قال : ألا ترى الشيخ الكبير الحطمة يفعل ما لا يفعل الشاب ، أو يقوى ما لا يقوى عليه الشاب ، هذا يدل على صدق العزيمة فلو أن هذا الرجل الذي لا يجب على مثله الحج تجشّم الصعاب وركب الشدائد وحج ؛ صح حجه وعلى الله أجره ، ولاشك أن الحج صحيح ، فليس شرط الاستطاعة شرطا في الإجزاء والصحة .

قال رحمه الله : [ والمرأة بغير محرم ] : وكذلك يصح الحج من المرأة بغير محرم ، ولكنها آثمة عاصية ، فإذا حجت ؛ صح حجها ؛ لأنها فعلت ما أمرها الله به وأدت العبادة على وجهها ، وتأثم لعصيانها ؛ لنهي النبي عن سفر المرأة بدون محرم ، هذا إذا كانت على مسافة القصر كما ذكرنا . أما إذا كانت دون مسافة القصر فيصح منها بدون محرم .

قال رحمه الله : [ ومن حج عن غيره ولم يكن حج عن نفسه أو عن نذر وقع حجه عن فرض نفسه دون غيره ] : بين رحمه الله أن الحج عن الغير يشترط فيه أن يكون الإنسان قد حج عن نفسه ، فشرع في الشروط الخاصة في المسائل الخاصة بعد أن بيّن شروط الحج العامة شرع في بيان الشروط الخاصة في المسائل الخاصة ، وهي مسألة الحج عن الغير . يشترط أن يكون الوكيل قد حج عن نفسه ؛ والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي سمع رجلا وهو يطوف بالبيت يقول : لبيك عن شبرمة . فقال : (( ومن شبرمة ؟ قال : أخي أو ابن عم لي مات ولم يحج . قال : أحججت عن نفسك ؟ قال : (( لا حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة )) فدل هذا على أن الوكيل لا يصح أن يقوم بالحج عن الغير إلا بعد أن يؤدي الفرض عن نفسه .

الأسئـــــلة :

السؤال الأول : فضيلة الشيخ : من أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد وقت النهي فهل يجوز أن يبدأ بالسعي ، وإذا طال وقت النهي فهل يؤثر طول الانتظار في الطواف والسعي . وجزاك الله خيراً ؟

الجواب :

بسم الله . الحمد لله ، والصلاة والسلام على خير خلق الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ؛ أما بعد :

فيجوز تأخير ركعتي الطواف إلى ما بعد وقت النهي ؛ وذلك لأن النبي نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس .

وأما مشروعية التأخير فقد جاءت بها سنة راشدة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حيث أخر ركعتي الطواف إلى ذي طِوَى ، فطاف في حجه طواف الوداع بعد صلاة الصبح ثم أخر ركعتي الطواف حتى أشرقت عليه الشمس وهو في وادي ذي طِوَى ، وهذا الوادي هو جهة الزاهر الآن ، فصلى رضي الله عنه وأرضاه بعد طلوع الشمس ، فدل على مشروعية تأخير ركعتي الطواف إلى ما بعد انتهاء وقت النهي .

وأما إذا كان في العمرة فسعى قبل أن يصلي الركعتين ؛ صح سعيه ، ثم يصلي الركعتين بعد طلوع الشمس ؛ لأن تقدمها على السعي ليس بشرط في صحة السعي وليس بواجب ولا ركن، والسعي صحيح ؛ لأنه سعى كما أمره الله ، فيسعى مباشرة حتى لا يفصل بين الطواف والسعي .

وقد اختار طائفة من العلماء الموالاة بين السعي والطواف في العمرة . والله تعالى أعلم .

السؤال الثاني : فضيلة الشيخ : أنا أشتغل في دعوة غير المسلمين فأجد من الكفار من يرغب تعلم في الإسلام ، ويظهر منهم أنهم يريدون أن يسلموا ولكن يترددون ، فهل يجوز أن أعطي من مال الزكاة ترغيبا لهم في الإسلام . وجزاك الله كل خير ؟

الجواب :

إذا كان الكافر يؤلف للإسلام بالمال ؛ جاز إعطاؤه من الصدقات والزكوات ؛ لأن الله تعالى جعل في الزكاة سهما للمؤلفة قلوبهم .

وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أنهم من أصناف الزكاة الثمانية الذين يجب دفع الزكاة لهم، فالمؤلفة قلوبهم يدخل فيهم من كان متذبذباً فإذا أعطي المال انشرح صدره فيعطى ؛ لأن الناس أقسام ، فمنهم من يدخل الإسلام بالرأي والحجة ، ومنهم من يدخل بالقوة والسيف، فإذا رأى العزة للإسلام كما وقع لصناديد قريش لما رأوا أن الإسلام قد ظهر أسلموا ، ثم اطمأنت قلوبهم بعد ذلك ، ومنهم من يدخل بالمال ، وكل أعطاه الله حقه ، وهنا يرد الإشكال : كيف نعطي المال للناس يسلمون بالمال ؟ إذًا إسلامهم للمال وليس لله ؟

والجواب أن الإسلام دين حق ، وهذا الحق لو تأمله الإنسان تأملا صحيحا انكشف له .

فإن الإسلام دين حق ، وهذا الحق يمتنع الإنسان من تأمله بسبب فتن الدنيا ، ولكن إذا خلي بينه وبين التأمل والنظر الصحيح أدرك الصواب والحق ، ولذلك لما قيل لعمرو بن العاص : لماذا تأخر إسلامك وأنت أنت ؟ -يعني في العقل والحجا والرأي-
فقال : إنا كنا تسوسنا رجالنا يعني كبار السن منا ، وكنا تبعاً لهم في ذلك ، فلما صار الأمر إلينا وتأملنا علمنا أنه الحق ، فقد تأتي شواغل أو أمور تمنع من تأمل الحق من عصبية أو غيرها ، فإذا كان الإنسان في تردد وأعطي المال أعطي مبتغاه فإنه سرعان ما يحب الإسلام للإسلام لا للمال ، فهذا المال يقطع العوارض الدنيوية في حال كفره وضعفه ، والمقصود منه تقويته على أن يتأمل الإسلام بحق ، ولذلك تجد من ألّف قلبه للإسلام قد يعود أقوى ثباتا وغيرة على الإسلام من كثير من أهله ، وهذا عرف في التاريخ وعرف بالاستقراء والتتبع ، فمن الناس من يدخل الإسلام طواعية ، ومنهم من يدخله تأملا ونظرا ، ومنهم من يدخله بالمال رغبة ، وكل له مثال في عهد النبي ، فثمامة بن أثال سيد بني حنيفة سيد من سادات بني حنيفة لما أخذته خيل النبي وأتي به إلى رسول الله وهو سيد في قومه ، قد كان بالإمكان أن يهدده ، وقد كان بالإمكان أن يتوعده ، وقد كان بالإمكان أن يضرب رقبته على الكفر، ومع هذا كله نظر -بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه- النظرة الصحيحة فعلم أنه رجل على عقل ووعي أن مثله إذا تبين له الحق سرعان ما يقبل، فأمر بربطه في المسجد، فربط في مسجد النبي فصار ينظر إلى الصحابة ، نظر إلى ذلك الرعيل الذي تربىّ بين يدي النبي ، نظر إلى شمائل الإسلام وأخلاق الأعزة الكرام ، نظر إلى أخلاق النبي وسمته ودله ، في غضبه ورضاه ، في ليله ونهاره ، وصبحه ومسائه ، وأخذه وعطائه ، وبين أصحابه -صلوات الله وسلامه- وفي صلاته وفي عبادته ، نظر إلى جميع هذه الأمور كلها ثلاثة أيام، كل يوم يقف عليه رسول الرحمة -صلوات الله وسلامه عليه- ويقول : ما وراءك يا ثمامة ؟ فيقول له : إن تقتل ؛ تقتل ذا دم ، وإن تعفُ ؛ تعفُ عن كريم لا ينسى ، فلما كان اليوم الثالث نظر إليه صلوات الله وسلامه عليه النظرة الواعية الصادقة فنظر في وجهه أنه يريد الإسلام وأنه يرغبه . فقال : أطلقوا ثمامة ، فلما أطلق رضي الله عنه وأرضاه انصرف إلى حائط عن طواعية وعن اختيار، ولكنها طواعية أخذت بقلبه أشد من أخذ المكره على ما يكره عليه ، من قوة محبته في الإسلام ، طواعية وهو في عزته وأنفته وكبريائه رئيسا في عشيرته وعزيزا في قومه لم يسلم ذليلا ولا مهانا ، فخرج إلى الحائط واغتسل ، ثم جاء إلى رسول الله ليقف إليه ويقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، والله يا محمد ، لقد كان وجهك أبغض الوجوه إلي ، ودينك أبغض الأديان إلي ، فأصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، ودينك أحب الأديان إلي، متى ؟! لما انكشف له الإسلام حقيقة ، لما زال المنافقون والمرجفون والكذابون والغشاشون والنمامون والأفّاكون والمفترون والمشركون والوثنيون الذين لفقوا على رسول الله وكذبوا عليه ، فأخذوا يلفقون عن الصحابة ، ويضعون الحواجز بين الناس وبين دين الله عز وجل، وهكذا كل صاحب فطرة مستقيمة إذا وقف أمام إنسان صاحب حق وصاحب هدى ، قد يجد العوائق من القيل والقال والترهات والأكاذيب والأراجيف وقول الحساد والنمامين ولكن إذا وقف أمام الحق منصفا صادقا متأملا سرعان ما يعرف الحق ، شاء أو أبى ، ويأخذه سلطان الحق بالقوة إذا سلمت فطرته ، وصدقت عزيمته ، وأراد النجاة من نار الله عز وجل قبل أن يأخذه الله على الكفر أخذ عزيز مقتدر، فالكفار إذا استبانت لهم الأمور، وانكشفت لهم الحقائق؛ فإنهم إذا كانوا أصحاب عقول مستقيمة أسلموا ؛ وإلا والعياذ بالله قد يكابرون { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } فالذي يعرض عليه الإسلام بالمال ليس معناه أننا نشتري الناس ليسلموا ، وإنما نريد أن نقطع العوائق والعلائق التي تحول بين الناس وبين دين الله عز وجل تحول بينهم وبين تأمل هذه الأنوار الإلهية التي تخرج من الظلمات إلى النور التي تحول بينهم وبين انشراح الصدر وطمأنينة القلب والاهتداء بهداية الله لكي يصيب الإنسان سعادة لا شقاء بعدها أبدا ، فيعطى هذا المال من أجل أن تزول هذه العوائق وليس معنى ذلك أنه يسلم من أجل أن يأخذ المال، ومن هنا من نظر في التاريخ وسمع العبر كثير ممن أسلموا وألُّفت قلوبهم سرعان ما أخذوا المال في بداية أمرهم ثم تركوه، ومنهم من رد المال ، وأحب الإسلام للإسلام ؛ لأنهم انكشفت لهم الحقيقة ، فإعطاء المال للمؤلفة قلوبهم سهم لهم سهم في الزكاة ، ولهم أن يعطوا من الصدقات ، ولو عرض عليك إنسان يريد الإسلام وتعلم أنك لو أعطيته أو تألفته بالمال أنه يسلم تبادر وتعطيه ما تستطيع ؛ لأنه إذا اهتدى على يدك وبسببك كان لك أجر صلاته وزكاته وحجه وعمرته وإسلامه وإسلام من يسلم على يديه وإسلام من أنجبه من أبنائه المسلمين ، وتلك والله هي التجارة الرابحة ، وتجارة رائجة رائحة .

نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، ونسأله أن يهدينا ويهدي بنا ، وأن يجعلنا هداة مهتدين على طاعته ومحبته ومرضاته .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.